الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
373
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
الإنسان على الدهر بهذه الجملة ( أيها الحي . . . إذا كانت الحياة هنا فلا تكن أنت هناك ) ، أي : إذا كانت الحياة في الحقيقة فلا تكن أنت في الكذب . « ولا تمرُ أونةٌ إلا وله صلى الله تعالى عليه وسلم مرتبةٌ تُرفعُ ودرجةٌ تُنصب ، ومقامٌ يدنو من الله ، لا تُحيط به الأسرار ، ولا تدرك كيفيته الأوهام والأفكار ، تتميماً للنعمة ، وتكميلًا لشرف المحبة » « 1 » . فكان دوره صلى الله تعالى عليه وسلم المعرفي دور المرآة الصافية التي عكست مواقف جميع المخلوقات ، وكيف يمكن أن تسمو عنها إلى ما هو أرقى منها . . . كان دوره كدور جبريل عليه السلام عندما ظهر في صورة أعرابي سائلًا عن أركان الدين وأمارات الساعة ، وهو عارف بالإجابة . لقد تن - زل جبريل عليه السلام بأمر ربه ليعلّم الناس أمور دينهم ولينبه على سر من جلس بين يديه صلى الله تعالى عليه وسلم وكأنه يقول : إذا كنت أنا أسأل وأصدق على سؤالي ، فكيف بمن اجتاز حجب النور حين وقفت أنا لا أستطيع الاجتياز لها ، فإنه معلمي ومعلمكم ولكنها قوانين التربية تفرض شروطها ليصح التكليف . قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام : « عَلِمَ الله عجز خلقه عن طاعته ، فعرفهم ذلك لكي يعلموا أنهم لا ينالون الصفو من خدمته ، فأقام بينهم مخلوقاً من جنسهم في الصورة ، فقال : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ « 2 » ، فألبسه من نعته الرأفة والرحمة ، وأخرجه إلى الخلق سفيراً صادقاً ، وجعل طاعته طاعته ، وموافقته موافقته ، وقال : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ « 3 » » « 4 » . ولا يعرف التأريخ غير سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم أحدٌ أفرغ الله تعالى وجوده في الوجود الإنساني كله ، كما تنصب المادة لتمتزج بها ، فتحدث منه الجديد ، فإذا الإنسانية تتحول به
--> ( 1 ) - الشيخ أحمد الرفاعي البرهان المؤيد ص 106 . ( 2 ) - التوبة : 128 . ( 3 ) - النساء : 80 . ( 4 ) - د . علي زيعور التفسير الصوفي للقرآن عند الصادق ص 147 .